كلما اقترب موعد إنطلاق مباريات كأس العالم لكرة القدم، والتي ستنطلق بالولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا، يوم الخميس 11 يونيو 2026، وتستمر 35 يوماً، وتشهد لأول مرة إقامة 104 مباريات بدلاً من 64، لتغطية منافسات الـ 48 دولة المشاركة في 16 مدينة مستضيفة. كلما ازداد توتر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أدرك أن "العظمة الأمريكية" أهانتها دولة محاصرة منذ 1979، وبالتالي بات المونديال ورقة ضعف لترامب، ونقطة قوة لإيران ومن خلفها الصين وروسيا لإخضاع "العنجهية الأمريكية".
ترامب لا يريد وجود أزمة دولية كبرى تشتت انتباه المشاهدين والجمهور والمعلنين والإعلام عن المونديال، كما لا يريد أي شوشرة إيرانية تفسد العرس الرياضي العالمي، وهي المشاركة في البطولة ضمن المجموعة السابعة التي تضم بلجيكا ونيوزيلندا ومصر، وستقام مبارياتها في لوس أنجلوس وسياتل.
ترامب يواجه ضغوطاً من الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، ومن الرعاة الدوليين الذين يخشون خسارة المليارات إذا توترت الأجواء، فضلاً عن أن استمرار إغلاق مضيق هرمز نتيجة الحصار الأمريكي والحرب على إيران، سيؤدي لارتفاع جنوني في أسعار الوقود، مما يؤثر على أسعار الطيران والانتقالات الداخلية بين المدن الأمريكية الـ 11 المستضيفة للمباريات، و3 مدن مكسيكية (مكسيكو سيتي، غوادالاخارا، ومونتيري) ومدينتان في كندا (تورونتو، وفانكوفر) مما يثير غضب الجماهير، فضلاً عن تواجد المنتخب الإيراني بالأراضي الأمريكية، مما يضع واشنطن تحت ضغط أمني هائل، وترامب يريد أن يظهر المونديال كأعظم نسخة في التاريخ.
ترامب يدرك أن الضغط على إيران أكثر من اللازم سيحول المونديال من حدث رياضي إلى ساحة صراع سياسي، فقد تهدد طهران بالانسحاب من البطولة وتثير القلاقل عبر حلفائها، خاصة وأن منطقة الشرق الأوسط على حافة هاوية النار نتيجة للممارسات الإسرائيلية بدعم أمريكي في قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، وعملية اختطاف القيادي في كتائب حزب الله العراقية محمد باقر الساعدي في تركيا ونقله للولايات المتحدة الأمريكية (يوم الجمعة 15 مايو 2026) وهو ما أعلنت عنه وزارة العدل الأمريكية، التي وصفت الاختطاف بأنه عملية تاريخية، وقال مدير الـ "أف بي آي" نثمن جهود جميع شركائنا وخاصة السفير الأمريكي لدى تركيا توم براك الذي قاد مهمة القبض على الساعدي (علماً بأن براك الصهيوني المسيحي هو المبعوث الترامبي للتطبيع في العراق وسوريا ولبنان)، وأيضاً اغتيال إسرائيل (يوم الجمعة 15 مايو 2026) القائد العام لكتائب الشهيد عزّ الدين القسّام، عزّ الدين الحدّاد الملقب بـ"أبو صهيب"، إثر غارة استهدفته مع أفراد من عائلته وعدد من المدنيين في قطاع غزة.
** إيران والهجمات المرتدة
وفي تلك الأثناء ينتظر المنتخب الإيراني تأشيرات السفر إلى الولايات المتحدة للمشاركة في كأس العالم، والذي سيبدأ مبارياته ضد منتخب نيوزيلندا يوم الثلاثاء 16 يونيو 2026، في ملعب صوفي بلوس أنجلوس، وسيكون مقر المنتخب الإيراني، المعروف بـ "تيم ملّي"، في توكسون بولاية أريزونا خلال نهائيات كأس العالم، وكانت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إيرنا) قد نقلت يوم الخميس (14 مايو 2026) عن رئيس الاتحاد مهدي تاج قوله: "لم نتلق أي كشف من الطرف الآخر حول هوية الذين مُنحت لهم التأشيرات، ولم تصدر أي تأشيرات حتى الآن.. وسنعقد اجتماعاً حاسماً مع الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" لأنه عليهم أن يعطونا ضمانات، لأن مسألة التأشيرات لم تُحل بعد".. موضحاً أن عدم وصول التأشيرات أجل سفر اللاعبين إلى العاصمة التركية أنقرة لأخذ البصمات في إطار إجراءات الحصول على التأشيرة.
وكانت إيران قد وضعت 7 شروطاً للمشاركة في كأس العالم وهي: أولها حصول جميع اللاعبين والجهاز الفني، وخاصة من خدموا في الحرس الثوري مثل مهدي طارمي وإحسان حاج صفي، على تأشيرات دخول دون أي مشاكل، لايجوز استجواب اللاعبين والجهاز الفني من قبل شرطة الهجرة أثناء سفرهم، تحديد آلية إصدار التأشيرات للصحفيين والمشجعين الإيرانيين في المباريات، ويتوجب على الشرطة الأمريكية الحفاظ على أعلى مستويات الحماية والبروتوكولات الأمنية في المطار والفندق والطرق الرئيسية والملعب لمنع أي حوادث أو مشاكل محتملة، وجوب أن يحضر مشجعو كلا الفريقين أعلامهم الرسمية فقط إلى الملعب، ويُمنع إدخال أي أعلام أخرى غير العلم الرسمي للجمهورية الإسلامية الايرانية، ضمان بث النشيد الوطني للجمهورية الإسلامية الإيرانية بشكل صحيح ودون انقطاع في جميع المباريات، وأن تقتصر أسئلة الصحفيين في المؤتمرات الصحفية على المسائل الفنية المتعلقة بالمباريات".. وكان رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) "جياني إنفانتينو"، قد أكد في وقت سابق أن إيران ستخوض مبارياتها في كأس العالم بالولايات المتحدة وفق الخطط الموضوعة سابقاً، كما أكد الاتحاد الآسيوي لكرة القدم لاحقاً أن المنتخب الإيراني لا يزال يعتزم المشاركة في النهائيات، بينما كشفت تقارير عن مفاوضات لنقل مباريات إيران من الولايات المتحدة إلى المكسيك، ونحن في انتظار ما يسفر عنه اجتماع الاتحاد الإيراني مع الفيفا، خاصة وأن طهران تعتبر غيابها عن المونديال حرمان للبلاد من "مكسب دبلوماسي مهم".
إذن إيران وضعت شروطها الخمسة على طاولة المفاوضات السياسية، والسبعة على مائدة المونديال، وربطت بين السياسة والاقتصاد والرياضة في لفتة وصفت من قبل محللين بالذكية في توقيت قاتل للإدارة الأمريكية. وحولت واشنطن من "لاعب هجومي" إلى "لاعب مدافع"، في حين تلعب طهران ومن خلفها بكين وموسكو على الهجمات المرتدة.
وذلك ما وضح من تصريحات ترامب خلال عودته من بكين وفقا لمقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" يوم الجمعة (15 مايو 2026) أن الصين هي من وضعت شروطها فيما يخص جزيرة تايوان التي كان يسعى ترامب لمقايضتها بالملف الإيراني، الرئيس الصيني كان واضحاً بقوله "تايوان خط أحمر"، وترامب قال عبر فوكس نيوز "لا أريد أن يعلن أحد الاستقلال.. لا نريد أن يقول أحد دعونا نعلن الاستقلال لأن الولايات المتحدة تدعمنا"، وأشار إلى أنّه لم يتخذ قرارا بعد بشأن بيع الأسلحة لجزيرة تايوان، وهو الذي أعلن في ديسمبر 2025، عن أكبر صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار.
وفيما يخص إيران فقد قال ترامب للصحافيين على متن طائرة الرئاسة "إير فورس وان" أثناء عودته من قمة بكين بعد لقائه الرئيس الصيني "شي جين بينج"، بأنه لا يمانع قبول تعليق أو تجميد برنامج إيران النووي لمدة 20 عاماً، موضحاً في مقابلته مع "فوكس نيوز" وعلى متن الطائرة، أنه يرفض مقترح إيران بإعادة تقليل نسبة تخصيب هذا المخزون محلياً، بل يصر على خروجه وتسليمه، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين هما الدولتان الوحيدتان اللتان تملكان التكنولوجيا والقدرة على الدخول واستخراج "الغبار النووي" من تحت الأنقاض والصخور، وأن المواقع الأربعة المدمرة تحت مراقبة كاميرات أمريكية مستمرة لمنع أي طرف من الاقتراب منها.
وفي ذات التوقيت، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي "لقد وصلتنا رسائل من الوسطاء برغبة واشنطن في العودة للمفاوضات".. كما أوضح أن موضوع تخصيب اليورانيوم بحد ذاته ليس مدرجاً بالكامل على جدول الأعمال الساخن الآن، بل يتم التركيز على تثبيت وقف إطلاق النار وفتح المضايق، على أن تُناقش تفاصيل الملف النووي المعقدة في مراحل لاحقة من التفاوض.
-----------------------------
بقلم: محمد الضبع






